محمد حسين علي الصغير
156
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
لا علاقة لها بالمعاني العابرة التي يوحي بها اللفظ ، ولا بالألفاظ الدالة على تلك المعاني ، وأن شيئا ثالثا في الاعتبار يرمي إليه الشاعر ، قد يفهمه غيره من خلال معرفة نفسية الشاعر ودراسة جوانبه في آماله وآلامه . . . إلا أن الألفاظ وسيط يلوّح لهذه الحقائق . والرمز بعد هذا وسيلة لجأ إليها المعذبون في الأرض ، ممن كمت أفواههم ، أو خنقت عواطفهم ، فما استطاعوا التعبير الحي المباشر ، فعمدوا إلى هذا التلويح نتيجة الخوف والحذر والتصريح ، تنفيسا عن اتجاهات داخلية تنبعث من الضمير ، وتنطلق من الحنايا ، متخذة قوالب وأسماء واصطلاحات ورموزا قد لا يتنبه لها خلي النفس « 1 » . ولكن استعمال الرمز في القرآن يختلف بظاهرته عن هذا المفهوم البشري ، فالقرآن يستطيع أن يعبر عن كل حقيقة صراحة دون حذر أو تردد ، ولكنه يتخذه وسيلة مهذبة من وسائل التعبير الفني ، دون تجريح أو تقريع أو لوم أو تعنيف ، بما يؤثر شعورا غامضا بالنفس أو أسى داخليا في المشاعر والعواطف ، وإنما يمس النفس مسا رفيقا ، ويداعب العواطف مداعبة هادفة . لقد وردت مادة الرمز في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى : قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً . . . « 2 » فيما اقتص اللّه تعالى من خبر زكريا ، وقد فسروه بأنه الإيماء تارة وتحريك الشفتين تارة أخرى ، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد « 3 » . وقد يزداد تعجبك من بلاغة القرآن ودقة إشارته إذا علمت أنه لم يستعمل هذه المادة إلا في هذا الموضع ، وهو بذلك يشير إلى مصطلح الرمزية الحديث ، فيعبر عنه « رمزا » إلى حبس اللسان على الشكر فقط بما أشار إليه الزمخشري : « كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر ، قيل : آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر ، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من
--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، الصورة الأدبية في الشعر الأموي : 55 - 58 . ( 2 ) آل عمران : 41 . ( 3 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 439 وما بعدها .